Thursday, 16 November 2017

لينين الكاتب: زيارة قصيرة في مئوية الثورة الروسية

صدرت في عيد الثورة الروسية المائة هذا العام سلسلة من الكتب غنية البحث وحسنة الصياغة تروم الدروس والعبر وتستنطق الصامت من الأرشيف السوفييتي. بعضها استلهم بطولة لينين، السياسي المثقف صاحب الإرادة التي جرت التاريخ من قرونه دون تهيب، ككتاب طارق علي «معضلات لينين» وككتاب «أكتوبر» للروائي جاينا ميفيل. قدم بعضها تاريخا جديدا للثورة من حادثات وملابسات العصر الروسي ذاك فاستنقذ حاضر الثورة، منعرجاتها ومطباتها الحرجة، من المستقبل الذي تلاها ليترك للقارئ فرصة أفضل للحكم على لينين والبلاشفة من واقعهم لا من أكثر ككتاب «الثورة الروسية، ١٩١٧» لركس ويد. كما صدرت دراسات اجتماعية رصينة للبيروقراطية الستالينية التي ولدت مع الثورة ورسمت طريقها رغما عن تحذيرات لينين العليل ككتاب شيلا فيتزباتريك «ضمن فريق ستالين: سنوات العيش الخطر في السياسة السوفييتية». 
من ضمن هذه الكتب العديدة يبرز في صف لوحده كتاب «القرن السوفييتي» لصاحبه موشيه ليفن، حبر التاريخ السوفييتي، الذي سبق وجمر «وصية لينين»، الخطاب الذي كتبه لينين في الأسابيع الأخيرة من ١٩٢٢ والأولى من ١٩٢٣ على أمل أن يصوب به مسار الدولة السوفييتة من منبر مؤتمر الحزب الشيوعي الثاني عشر، في كتابه الرشيق «معركة لينين الأخيرة». أحاط ليفن بوثائق من بطن البيروقراطية السوفييتية الغريق حرر بها تاريخ الدولة الاشتراكية الأولى من ركام الحرب الباردة فأخرج للقارئ تاريخا لولبيا ينطق بالمستجدات والحلول الظرفية لمصاعب ضاغطة غير الصيغة النمطية الخطية التي تصور ذلك التاريخ سيرة واحدة للتدهور من خطيئة أولى، إما ثورة ١٩١٧ ذاتها عند أعداء لينين أو سلطة ستالين عند أنصار لينين المحبين أو انقلاب ستالين الدموي على البلاشفة في عهد «الرعب العظيم»، ١٩٣٦-١٩٣٨، وفق ترقيم خطاب خروتشوف أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي عام ١٩٥٦ لتاريخ دولة ستالين. 
التقطت كاثلين سميث قفاز هذ التاريخ في عام «الذوبان» ذاك، تعبير صكه الكاتب اليا اهرنبرغ وكان عنوانا لروايته عن ذات القضية، لوصف عهد الخروج من «الخنقة» الستالينية والذي امتد ربيعا سوفييتيا حتى انقلاب البيروقراطية على خروتشوف في ١٩٦٤. يفصل كتاب سميث «موسكو ١٩٥٦: الربيع المكتوم» في ردود الأفعال داخل الاتحاد السوفييتي على خطاب خروتشوف ذو الأربع ساعات بينما ركز سواها على استقبال التحول عن الستالينية خارجه، بالدرجة الأولى في دول حلف وارسو وفي الدول الرأسمالية. تكشف سميث عن حيوية لينينية استعاد بموجبها شباب الكومسومول (رابطة الشباب الشيوعي) الثقة في مبادراتهم الذاتية فساقهم طلبهم الاشتراكية إلى الأرياف السوفييتية للعمل الطوعي في مواقع البناء وفي حصاد الأراضي التي امتدت إليها الزراعة حديثا في كازاخستان وفي سيبيريا. اصطدم اللينينيون هؤلاء بواقع بناء الاشتراكية الذي رشح له لينين «الثقافة» كاستراتيجية مقدمة في وصيته الأخيرة: إهمال وفساد القيادات السياسية المحلية وفقر وتخلف المجتمعات الريفية. اكتشفت فرقة من فرق الكومسومول مثلا تباينا ظالما في الأجور بين النساء والرجال في إحدى المشاريع الزراعية الجديدة حيث كانت تقل «يومية» النساء بكثير عن الرجال فكان رد فعلهم جمع كل أجورهم وإعادة توزيعها مساواة بينهم كأسنان المشط. كان هوى هؤلاء ما يزال لينينيا وجدوا الإلهام في تقاليد روسيا الثورية وفي جهاد لينين «سيد الإسم»من أجل الاشتراكية لا في الرأسمالية الغربية. نقلت سميث عن أحد منشوراتهم: أيها الطلاب! الستالينينة ما زالت حية! سقطت راية لينين تحت الأقدام بدليل تعاظم الاستبداد في بلادنا وبدليل أحداث بولندا والمجر حيث كرت الدبابات السوفييتية على الحرية.
يبرز هنا صدق حدس اهرنبرغ فالذوبان دورة عاد بعد نفسه الدافئ جليد الشتاء السوفييتي الطويل تحت حكم برجنيف. تقصى موشيه ليفن في كتابه «القرن السوفييتي» تقريرا أعدتة لجنة من الأكاديمية السوفييتية للعلوم بتكليف من رئيس الوزراء كوزيغين في العام ١٩٦٦ لتقييم أحوال الاتحاد من زاوية المنافسة مع الولايات المتحدة الأميركية. أثبت العلماء السوفييت في تقريرهم أن الاتحاد متأخر عن الولايات المتحدة في كل المؤشرات عدا تلك التي كانت تعد مقياسا للتقدم في أواخر القرن التاسع عشر. ردة الفعل البيروقراطية كانت تجديد العقيدة في النظام السوفييتي كما هو مع تقرير أن العلة تكمن في تبديد الموارد وسوء إدارتها - أو في رأي أعداء كوزيغين داخل المكتب السياسي فشل رئيس الوزراء - دون اعتبار لتلميح علماء الأكاديمية أن التبديد الفاحش ليس سوى عرض لعلل البيروقراطية السوفييتية التي سبق لينين وحذر منها قائلا ما هي سوى البيروقراطية القيصرية في لبوس اشتراكي. على كل، شكل مجلس الوزراء في ١٩٦٦ مفوضية جديدة ذات صلاحيات واسعة بإسم «مفوضية توفير موارد الدولة» لدراسة قطاعات الاقتصاد الرئيسة. أصدرت هذه الهيئة تقريرا ضخما نقل عنه ليفن ضمن علامات مرضية أخرى تخزين المواد الخام حتى تفسد في المصانع خوفا من احتباسات التوريد، الارتفاع المتسارع لتكلفة توزيع السلع الاستهلاكية، تزايد الأجور دون زيادة مقابلة في الإنتاجية، التدهور الشديد لقدرات الاتحاد البحثية بسبب التخلف التكنولوجي والتباطؤ غير المبرر في تطبيق المستحدثات التكنولوجية في القطاعات الإنتاجية. 
عند ليفن كان كعب أخيل الاتحاد السوفييتي، للمفارقة، عجزه عن الإدارة الفعالة لقوى العمل. الاتحاد الذي بلغ سكانه في ستينات القرن الماضي ٢٧٠ مليون نسمة وجد صعوبة شديدة في تحريك قوى العمل داخله لتقابل احتياجات الاستثمار فارتبك التوازن الحساس بين الأهداف الاستثمارية والمردود الاقتصادي والقوى العاملة. عرض رئيس معهد البحوث التابع لهيئة غوزبلان (لجنة الدولة للتخطيط) في الاتحاد الروسي، كازيموفسكي، هذه المعضلة على صفوة من المسؤولين السوفييت في محاضرة عام ١٩٦٨بعنوان «مشاكل العمل ومستوى المعيشة». نبه كازيموفسكي إلى النقص الحاد في قوى العمل في المراكز الحضرية الكبرى، موسكو ولينينغراد وكوبيشيف وشليابنسك وسفردلوفسك، بسبب تناقص أعداد الشباب الداخلين سوق العمل والسبب المباشر تناقص أعداد المواليد الملحوظ بخاصة في المناطق الحضرية رغم الزيادة المعتبرة في متوسط الأعمار. كان عدد المواليد في الاتحاد السوفييتي وقتها أدنى منه في الولايات المتحدة وفي الدول الاشتراكية الأخرى حيث بلغ المعدل في العام ١٩٦٨ ٢.٦ لكل سيدة (١.٩ في الحضر و٣.٣ في الأرياف) بينما يبلغ الحد الطبيعي المطلوب لإعادة الإنتاج الديموغرافي ٣ مواليد لكل سيدة. معنى ذلك أن المدن السوفييتية كانت تعتمد في إعادة إنتاج نفسها سكانيا على الهجرة من الأرياف. مرد ذلك في تقدير كازيموفسكي كان بجانب أهوال الحرب والمجاعة في الثلاثينات والأربعينات هو الزيادة الحادة في تشغيل النساء في القطاعات الإنتاجية، بخاصة الأعمال الثقيلة غير المميكنة كالتعدين وصناعة الماكينات وتحوير المعادن، التي لم يقابلها توسع مقابل في الخدمات اللازمة لرعاية الأطفال حتى تستطيع جموع العاملات تحمل مسؤولية إعادة الإنتاج الاجتماعي بجانب الإنتاج الاقتصادي. ضاعف من نقص العمالة هروب القوى العاملة إلى الإنتاج الزراعي المنزلي حيث أدارت نسبة مقدرة من قوى العمل ظهرها لقطاعات الإنتاج التابعة للدولة وفضلت عليها الإنتاج شبه المعيشي في المحيط المنزلى بجانب التزايد المتوقع لنسبة المعاشيين بسبب التحسن المضطرد لمتوسط الأعمار وتناقص أعداد المواليد. إلى ذلك، تسببت الهجرة المتضاعفة من الريف إلى الحضر في نقص شديد في القوى العاملة الشابة حيث الحوجة أعظم إليها، في قطاعات الزراعة الآلية. عام ١٩٦٨ كان متوسط أعمار العاملين في مزارع الدولة خمسين عام بمعدل رجل قادر واحد لكل أسرتين. شبه كازيموفسكي في محاضرته البحث عن قوى العمل في الاتحاد السوفييتي بكشط قاع برميل فارغ. 
كان للثورة الروسية في شأن المرأة رأي آخر. أنشأ حزب لينين في العام ١٩١٩ زينودتيل (هيئة العمل وسط النساء العاملات والفلاحات) كقسم تابع لسكرتارية اللجنة المركزية. ضمت هذه الهيئة كما يخبرنا طارق علي في كتابه «معضلات لينين» رائدات شيوعيات كان لهن دور مقدم في النضالات التي أخرجت ١٩١٧ إلى الوجود مثل انيسا أرماند والكساندرا كولونتاي وصوفيا سميدوفيتش. جعلت الهيئة هدفا لها تحرير المرأة باعتباره أحد المهام التي تجابه الثورة وأول ما تصدت له هو تحرير المرأة من عبء العمل المنزلي وتحويل ذلك إلى مسؤولية الدولة الثورية. كان مطلب زينودتيل أن توفر إدارات المدن خدمات مجانية لرعاية الأطفال أثناء ساعات العمل ومواقع عامة للطعام والغسيل. وجدت أهداف زينودتيل تطبيقا لها في هندسة بناء المجمعات السكنية للعمال ما بعد الحرب الأهلية في الاتحاد السوفييتي خاصة على يد مويزيه غينزبورغ. نالت زينودتيل كل الدعم من لينين الذي اشتهر بكرهه للعمل المنزلي. العمل المنزلي الوضيع، قال صاحب «الدولة والثورة» في ١٩١٩ في غضبة لفظية، يحطم المرأة ويقهرها ويحط من شأنها، يكبلها في المطبخ وغرفة الأطفال فتبدد كل وقتها في أعمال غير منتجة، حقيرة، تحطم الأعصاب وتبلد الذهن وتبعث على الملل الفظيع
لكن لم تدم الحرية طويلا إذا سرعان ما أطاحت الردة الستالينينة بهذه المكاسب وانتصرت عقيدة المحافظة لتؤكد الأدوار التقليدية للمرأة. كان لنشاط مناضلات زينودتيل عظيم الأثر على حياة المرأة في الاتحاد الوليد انتشرن في المدن والأرياف سلاحهن «الثقافة» التي بشر بها لينين، حاربن الأمية والجهل وأخذن بأيدي النساء حيثما كن حتى بلغن المسلمات في أقطار آسيا الوسطى. بفضل مجهودات زينودتيل شرع الاتحاد السوفييتي حق الإجهاض المجاني في مستشفيات الدولة عام ١٩٢٠ في سابقة هي الأولى في التاريخ. أثار نجاح زينودتيل الباهر في تنظيم النساء حفيظة ستالين ورجاله، خاصة وقد اكتسبت الهيئة ثقة النساء السوفييت بل مثلت زينودتيل قابلة المرأة السوفييتية الجديدة إذا جاز التعبير، فأطاح ستالين بالهيئة بأمر ديكتاتوري في ١٩٣٠ كما أطاح بعدد من التشريعات التقدمية التي كان لزينودتيل الفضل في اعتمادها ضمن نشاطها الثوري. 
كل ما تخوف منه لينين في وصيته قد كان بدءا بما أصاب جثته على يد ستالين والمكتب السياسي، مات ليبعث صنما محنطا في الكرملين رغم الاعتراض الشديد الذي أبدته زوجته ناديه كروبسكايا وكل أفراد عائلته (آل اوليانوف). تحول الثوري الباسل على يد ستالين، طالب المعهد الكنسي السابق، إلى قديس بيزنطي. قدمت عند نعشه زوجته كروبسكايا دفاعا نيرا عن هذا الثوري قائلة: يا أيها الرفاق، العمال والعاملات، الفلاحين والفلاحات، أتوسل إليكم، لا ترفعوا له التماثيل ولا تسموا بإسمه القصور ولا تقيموا المهرجانات الفخيمة المهيبة في ذكراه - لم تكن أي من هذه الأمور تعني له شيئا في حياته بل كانت عبئا عليه. أذكروا كم من فقير معدم في بلادنا. إذا كنتم حقا تريدون إجلال أسم فلاديمير اليتش فأسسوا دورا ورياض للأطفال، بيوت ومدارس ومكتبات وخدمات إسعاف ومستشفيات ودورا للمعاقين، وفوق كل ذلك كونوا شهودا بأفعالكم على مبادئه. كان لينين على وعي جارح بما قد يصيب مأثرته وأفكاره خاصة في شأن أولوية السياسة والامبريالية وتقرير المصير للقوميات والدولة-الكومونة. وقد حذر كأنه يكتب شاهد قبره: متـى مات الثوري تكررت المحاولات لتحويله إلى أيقونة خالية، أو قل لتقديسه، لتفريغ إسمه من المعنى حتى يصبح بدرجة أو أخرى شارة لمواساة المقهورين بهدف خديعتهم وفي ذات الوقت اختطاف النظرية الثورية، ثلم نصلها و ابتذالها. 
عدت في مناسبة الذكرى المائة لثورة ١٩١٧ إلى بعض نصوص لينين التي تشع ما زالت بحيوية كاتبها وعقيدته في أولوية المبادرة البشرية فلم أجد أصفى معنى من كلمته البليغة في الحث على البدء من البداية، التراجع للتقدم مرة أخرى، كلمة كتبها لينين في أواخر فبراير ١٩٢٢ ونشرتها برافدا في ١٧ أبريل ١٩٢٤. سألت نفسي من يجدد حياتها بالنشر معربة وقد انكتم نفس الحزب الشيوعي السوداني وصد بابه فلم أجد سوى صاحب الممر، مأمون التلب، هذا اللينيني من جهة أنه لا يعدم المبادرة أبدا ولا تنتهي محاولاته يبدأ من البداية كأن كل مرة هي أول مرة، فهذا الجزء الأول منها والثاني لمن رغب. 
Lenin and Nadezhda Krupskaya, 1922
Source: Lenin Internet Archive
ف. إ. لينين 
من دفتر داعية 
عن تسلق جبل عال، مثالب القنوط (…)

كتب في نهاية فبراير ١٩٢٢ ونشرته برافدا في ١٦ أبريل ١٩٢٤
ضمن الأعمال الكاملة، الإصدارة الانجليزية الثانية، المجلد ٣٣، ص ٢٠٤-٢١١، دار التقدم، موسكو ١٩٦٥

١. على سبيل المثال
دعونا نتصور رجلا يتسلق جبلا سامقا شديد الانحدار ولما يسبق استكشافة. دعونا نفترض أنه تفوق على مصاعب ومخاطر غير مسبوقة ونجح في الوصول إلى موقع لم يصل إليه كل من سبقوه لكنه لم يبلغ القمة بعد. يجد نفسه في موقع حيث التقدم في الوجهة التي اتخد والطريق التي اتبع ليس فقط شديد الخطر بل مستحيل. يجد نفسه مجبر على التراجع، على الهبوط، على اتخاد درب غير الذي سلك، درب أطول ربما لكنه يصل به إلى القمة التي يبتغي. يثبت للمسافر الذي نتصور أن الهبوط من الارتفاع الذي لم يبلغه سواه من قبل أشد صعوبة وخطرا من الصعود - فالانزلاق قريب، ليس من السهل أن يجد موطئ قدم ثابت وليس في مساره إلى أدنى تلك النشوة الذي تصاحب الصاعد إلى أعلى مباشرة نحو الهدف. لا بد لصاحبنا أن يؤمن نفسه بحبل، أن يقضي الساعات يحفر بعصاه ذات النصل موقعا لقدميه أو نتوءا يربط عليه حبل أمانه، لا بد له أن يتحرك بسرعة الحلزون متجها إلى الأسفل بعيدا عن هدفه المرتجى، ولا يدري أين سينتهي به هبوطه الخطر والعصيب هذا، أو إن كان ثمة سبيل آمن تمكنه من الصعود مرة أخرى وبثقة أكبر مباشرة نحو القمة. 
لا مناص أن من تسلق إلى هذا العلو غير المسبوق ثم وجد نفسه في موقع المتراجع سيصيبه شئ من اليأس. الأغلب أن أحايين يأسه هذه ستتزايد وتتسارع ويشتد بأسها عليه متى ما سمع أصوات القابعين في الأسفل، في أمان السهل، يراقبون هبوطه الخطر عبر منظار مكبر، هبوط لا يمكن حتى توصيفه بأنه «صعود بفرامل»؛ الفرامل تفترض وجود سيارة مجربة حسنة التصميم وطريق معبدة. لكن، في هذه الحالة ليس ثمة سيارة ولا طريق، ولا شئ على الإطلاق سبق اختباره. 
تجلجل الأصوات من الأسفل بسرور خبيث لا يخفيه أصحابه، يتضاحكون مرحين وتعلو أصواتهم: سيسقط في لحظته، يستحق هذا المجنون. يحاول آخرون إخفاء شماتتهم ويتصرفون في الغالب كما فعل جوداس غولوفيلوف. يتأوهاون ونواظرهم معقودة نحو السماء بحزن ظاهر، لسان حالهم يقول: أشد ما يؤلمنا أن تحقق ما كنا نخشى! لكن ألم نحذر ألا بد من تأجيل هذا الصعود حتى تكتمل الخطة اللازمة ونحن الذين قضينا العمر كله نرسم خطة لإخضاع هذا الجبل وبلوغ مراقيه؟ ألم نعترض بكل ما نملك ضد اتخاذ هذه الطريق التي تراجع عنها الآن هذا المخبول (أنظروا، ها هو يعود الخطى إلى الأسفل! تأخذ منه الخطوة الواحدة ساعات من التحضير. رغم ذلك طالنا الهجاء النزق وقت كنا ننصح بالتريث والتأني!). وقت وقفنا ضد هذا المخبول وحذرنا الجميع من محاكاته ومساعدته فعلنا ذلك بدافع من التزامنا بالخطة العظيمة لبلوغ مراقى هذا الجبل ومنعا لتسفيهها!
لسعادته، لا يستطيع المسافر الذي نتصور في الظروف التي رسمنا أن يسمع أصوات هؤلاء «الأصدقاء»، مناصري فكرة صعود هذا الجبل. لو فعل لأصابه الغثيان، والغثيان كما يقال لا يساعد على رجاحة العقل وثبات الخطوة خاصة في الارتفاع العالي. 

٢. دونما استعارة
لا يغني القياس عن الإثبات، وكل قياس ذابل. هذه حقائق معلومة وغير قابلة للتبديل؛ لكن لا تضر استعادتها لرسم حدود القياس بكل وضوح. 
صعدت البروليتاريا الروسية إلى ارتفاع شاهق في الثورة، ليس فقط حين المقارنة مع ١٧٨٩ و١٧٩٣، لكن أيضا مقارنة مع ١٨٧١. يجب علينا الاعتبار فيما حققنا وفيما عجزنا عن تحقيقه بكل صراحة ودقة وبغير أيما انفعال. فقط عندها يمكننا الحفاظ على أذهاننا صافية. لن نعاني وقتها من الغثيان أو التهيؤات أو القنوط. 
لقد أكملنا الثورة البرجوازية الديمقراطية بفعالية تفوق أي سابقة في العالم. هذا كسب عظيم وليس في يد أي قوة على الأرض أن تحرمنا منه. 
حقننا مهمة الخروج من حرب امبريالية رجعية بطريقة ثورية. هذا أيضا مكسب لا يمكن أن تنزعه عنا أية قوة في الأرض؛ وهو مكسب تتأكد قيمته بمعرفة أن المجازر الامبريالية لا مهرب منها حتى في المستقبل القريب ما دام وجود الرأسمالية؛ ولن يرضى أهل القرن العشرين بذات السهولة بنسخة جديدة من «إعلان بازل» الذي استغفل به المتخاذلون، أبطال الأممية الثانية والأممية الثانية والنصف، أنفسهم والعمال في ١٩١٢ وفي ١٩١٤-١٩١٨. 
لقد أنشأنا دولة سوفييتية الطابع وبذلك دشنا عصرا جديدا في تاريخ العالم، عصر حكم البروليتاريا والذي سيزيح ويتفوق على عصر حكم البرجوازية. ليس باستطاعة أحد أن يحرمنا من هذا أيضا رغم أن الدولة السوفييتية لن تكتمل سماتها سوى بتراكم التجارب الفعلية للطبقة العاملة في دول عدة. 
لكنا لم نكمل حتى وضع أسس الاقتصاد الاشتراكي، وباستطاعة قوى الرأسمالية المتهالكة المعادية أن تحرمنا من هذا المنجز. علينا الاعتراف الصريح بذلك والاعتبار في تبعاته؛ ليس هناك من خطر أعظم من التهيؤات (والدوار، خاصة في الارتفاعات العالية). فوق ذلك، لا خطب في الاعتراف بهذه الحقيقة المرة ولا تبرير لأيما قنوط؛ لما، لأننا دعونا وأعدنا الدعوة لأوليات الماركسية - ألا مناص من المجهودات المشتركة للعمال في عدة دول متقدمة لنصر الاشتراكية. ما زلنا لوحدنا في هذه الطريق وذلك في بلد متخلف، بلد ناله الدمار أكثر من سواه، لكنا أنجزنا الكثير. أكثر من ذلك - لقد حافظنا على سلامة جيش القوى البروليتارية الثورية؛ حافظنا على قدراتها في المناورة؛ حافظنا على أذهاننا صافية وتدبرنا أمرنا بكل رجاحة، متى وإلى أين نتراجع (حتى نتمكن من الوثوب أبعد)؛ متى وكيف نستعد للعمل حتى نكمل ما تبقى ناقصا. إن الشيوعيين الذين يتصورون أن بإمكانهم التصدي لمهمة جبارة كإكمال أسس اقتصاد اشتراكي (بخاصة في بلد يسوده الفلاحون الصغار) دون ارتكاب أخطاء ودون تراجع ودون تصويبات عديدة لما تبقى ناقصا وما تأسس خطأ محكوم عليهم بالفشل. أما الشيوعيون الذين تحرروا من التهيؤات، والذين لا يستسلمون للقنوط ويحتفظون بقواهم وبالمرونة اللازمة «ليبدأوا من البداية» مرة تلو الأخرى وهم يتصدون لمهمة غاية في الصعوبة فلا خوف عليهم (وحظهم أغلب الظن البقاء). 
فوق ذلك، المجال جد ضيق للاستسلام حتى لأدنى درجات القنوط، فليس من داع لذلك ولو قليل. رغم الخراب والفقر والتخلف والمجاعة التي تفتك ببلادنا أفلحنا في باب الاقتصاديات التي تفتح الطريق للاشتراكية في تحقيق بعض التقدم بينما لا زالت دول حول العالم، أكثر تقدما وأثرى بآلاف المرات وأقوى عسكريا، تتقهقر في مجالات الاقتصاد الرأسمالي الذي سلخت فيه قرونا من العمل والتجربة. 

لمن أراد الاستزادة:
Tariq Ali, The Dilemmas of Lenin: Terrorism, War, Empire, Love, Revolution, Verso 2017

China Miéville, October: The Story of the Russian Revolution, Verso, 2017

Rex A. Wade, The Russian Revolution, 1917, Cambridge University Press, 2017

Sheila Fitzpatrick, On Stalin’s Team: The Years of Living Dangerously in Soviet Politics, Princeton University Press, 2017

Moshe Levin, The Soviet Century, Verso, 2016

Moshe Levin, Lenin’s Last Struggle, University of Michigan Press, 2005

Kathleen E. Smith, Moscow 1956: The Silenced Spring, Harvard University Press, 2017


Friday, 6 October 2017

تركوا الصلاة على عاكف: علمانية من حيث لا تحتسب

منعت السلطات الأمنية في ٢٧ سبتمبر الماضي جماعات إسلامية على رأسها المؤتمر الشعبي من إقامة صلاة الغائب على روح المرشد العام السابق للأخوان المسلمين في مصر، المرحوم مهدي عاكف، كان مخططا لها أن تجري بعد صلاة المغرب في الساحة الخضراء بالخرطوم. أصدرت السلطات التصريح اللازم ثم عادت وسحبته دون ذكر أسباب. كانت الجهات الأمنية لكن سمحت بإقامة صلاة باردة على مهدي عاكف في مسجد الجامعة أمها عبد الجليل النذير الكاروري عن الحركة الإسلامية الحكومية. يذكر أن الأخوان المسلمين في أنحاء العالم أقاموا الصلاة على المرشد السابق كما ينبغي لم يمنعهم أحد، رثوه واحتفوا بمآثره ولما لا؟ 
تخوفت السلطات كما يبدو من نفس الشعبي الحار في مظلمة مهدي عاكف وأخوان مصر وارتابت من جماهيرية صلاة في الساحة الخضراء يفد إليها الناس من كل شاكلة وصف بعكس صلاة مسجد الجامعة التي جرت بغير أثر سياسي يذكر كما تجري اجتماعات الحركة الاسلامية الحكومية. أو لربما تهيبت أن تخالف لبرهة التوجيهات السعودية ولو بصلاة على ميت. يسأل مولانا الكاروري عن الحكومة الإسلامية التي تمنع إسلاميين في حلفها من الصلاة جهرا على مثل مهدي عاكف، ويسأل الإسلاميون الذين آثروا السلامة الذاتية على حفظ عهود التضامن مع اخوان مهدي عاكف عن صلاح الطريق الذي هم فيه يصمتون عن الحق ولو عرفوه كما فعل علي الحاج حين سأله الصحفيون عن قتلى كلمة فقال لا علم لي تسأل عنهم الحكومة. 
لم يمض عاكف إلى ربه في فرش لين بين الأحبة والأهل بل في سرير في القصر العيني بعد أن تدهورت حالته الصحية٬ وهو الشيخ الذي ناهز التسعين، في زنازين السيسي. مهدي عاكف مرشد فريد في تاريخ الجماعة، صعد إلى قيادتها خليفة للهضيبي عام ٢٠٠٤ واستمرت ولايته حتي يناير ٢٠١٠ حين اختار عدم التجديد مفسحا المجال للمرشد الحالي، المسجون هو الآخر، محمد بديع. فتح عاكف على عهده الباب واسعا لصعود جيل جديد من الأخوان المسلمين في مصر إلي قيادة الجماعة بعد رحيل مصطفى مشهور في ٢٠٠٢ والهضيبي في ٢٠٠٤ وكلاهما من الحرس القديم إذا جاز التعبير. لأول مرة في تاريخ الجماعة أعلن مكتب الإرشاد، قيادة الجماعة المركزية، طريقة محددة لاختيار المرشد الجديد وتسنم كل من محمد حبيب وخيرت الشاطر من الجيل الصاعد مواقع النيابة عن المرشد. بمجرد انتخابه في ٢٠٠٤ أعلن عاكف رؤى تجديدية للجماعة تعبر عن التزامها بنظام سياسي جمهوري مدني يضبطه القانون. بجانب المطالبة التقليدية بتطبيق الشريعة الإسلامية لم يخالف برنامج الاخوان المسلمين الذي أعلنه عاكف في ٢٠٠٤ المتفق عليه بين قوى المعارضة المصرية في صراعها ضد ورثة عبد الناصر خلال الثلاثين عام التي خلت.
أراد الأخوان ببرنامجهم الجديد توجيه رسائل إلى أكثر من جهة، لسان حالهم يقول للأميركيين والأروربيين لسنا المهدد الأول في الشرق الأوسط كما تزعم حكومات المنطقة ويقول للمعارضة المصرية نحن كما أنتم نتحدث لغة دستورية مشتركة ونقر بمبدأ تبادل السلطة بصورة ديمقراطية. وفق تقدير منى الغباشي في مقال محكم منشور في المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط عام ٢٠٠٥ كان هدف تجديد عاكف في عبارتها حفظ الذات عبر شرح الذات، ومحاولة لتقريب الشقة بين أجيال الجماعة الجديدة والقديمة عبر إعادة تأسيس رسالة آيديولوجية متسقة وقد انشق صفهم بخروج حزب الوسط عن حبل الجماعة. نقلت الغباشي عن عبد المنعم أبو الفتوح في مقالها قوله: بطبيعة الحال نحن جزء من المجتمع المصري وهو مجتمع لا شك أبوي، لكن الحقيقة أن للمرشد صوت واحد لا غير. بذلك أراد أبو الفتوح التأكيد على أن قرارات الجماعة لم تعد رهينة بأقدمية الأشخاص أو سابق جهادهم في السجون وإنما نظام التصويت الحديث الذي يقوم على مبدأ صوت واحد لكل فرد واحد. نافس الأخوان في انتخابات ٢٠٠٥ في مصر بهذه الرؤى التي سوق لها عاكف أول مرة بصورة رسمية في مؤتمر صحفي لإعلان قيادته. بذلك عبرت الجماعة كما يبدو حواجز بينها والقواعد الديمقراطية اللبيرالية وحاولت بصورة أو أخرى توليد مفاهيم إسلامية للنظام الدستوري تجعل لبعض أهدافه العامة كمثل توازن السلطات وحماية بعض الحقوق السياسية والمدنية للأفراد وقابلية الحكومة للمحاسبة مشروعية إسلامية إذا جاز التعبير. 
صك آصف بيات للتعبير عن هذه التحولات في فكر وعقائد الحركات الإسلامية الحديثة مثل إخوان عاكف في مصر وأنصار الغنوشي في تونس مفهوم ما بعد الإسلامية. توصل بيات إلى خلاصة أن سياسة الحركات الإسلامية عبرت مرحلة الإسلام الحركي إلى ما بعد الإسلامية بدراسة وقائع هذا التحول في إيران ثم تقصي مثيل ذلك في المنطقة العربية. قدر بيات في مقال مشهور في مجال دراساته عام ١٩٩٦ أن الخطاب الإسلامي الذي يسود في معظم المجتمعات المسلمة انسحب بشكل مقدر من الحياة العامة في إيران حيث أول دولة إسلامية حديثة وحل محله انشغال أعظم بقضايا علمانية. عرف بيات ما بعد الإسلامية بأنها حالة تتضمن توجها نحو علمنة الدين بعد أن أطاحت التجربة بجاذبية الشعارات الاسلامية وعنفوانها في مرحلتها الحركية بل بمشروعيتها. عند بيات تتجلى السمات العامة لما بعد الإسلامية في إقرار غير منطوق بأن الإسلام كدين لا يوفر إجابات جاهزة قابلة للتطبيق على كل قضايا الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وفي محاولات للمزاوجة بين الإسلام كعقيدة فردية من جهة وحرية الأفراد واختيارهم من جهة أخرى. تنعقد حيوية هذا المزاوجات بالمستبطن من ادراك أن بقاء الإسلام نفسه كدين ربما مرتبط بتحقيق هذا التلاؤم وبالسعى نحو حداثة إسلامية بديلة ليست نسخة مسخا من الحداثة الغربية.
أورد بيات عن غلام حسين كرباسجي، معتمد طهران في الفترة ١٩٩٠ إلى ١٩٩٨ وأحد أبرز الاصلاحيين الإيرانيين من شيعة الرئيس الأسبق محمد خاتمي، الاقتباس التالي: نحن لا يهمنا أن نهدم مساجد لنبني طرقا سريعة. رغم نجاحاته العديدة وربما بسببها وقع كرباسجي فريسة لما يبدو أنها مؤامرة من المحافظين الذين ناصبوا خاتمي وجماعته العداء وتمت محاكمته بتهمة الفساد في ١٩٩٨ ليقضي حوالي العام في السجن ثم يتم اطلاق سراحه بفضل عفو من المرشد الأعلى علي خامنئي. عين بيات مصدر العلمنة الأساس في تجربة الحكم الإسلامي في أسلمة الدولة ذاتها التي قال أنها أفضت إلى علمنة الفقه. تمثل ذلك في التجربة الإيرانية في أن عقيدة ولاية الفقيه أعطت الفقيه الحاكم الحق في تغيير أي قانون أو واجب ما دام ذلك في مصلحة الدولة بما في ذلك المبادئ الدستورية والواجبات الدينية. بما أن الحكم هو أوجب الواجبات في عقيدة الإمام الخميني كانت النتيجة التضحية بالقداسة على عتبات السياسة وخضوعها لتجدد الحوادث ثم تقليص حرية الفقهاء في تفسير مبادئ الشريعة.
كان المرحوم حسن الترابي يقول عن انقاذ الرئيس البشير أنها أول دولة اسلامية حديثة في العالم السني. على خلاف دولة الخميني لم ينهض الترابي بقوى اجتماعية وحلف عريض ثوري كالذي حقق الثورة الايرانية عام ١٩٧٩ كما لم ينعقد له الحول الذي كان للإمام الخميني ومن خلفه. على كل، لم يحتكم الاسلاميون السودانيون لعقيدة مركزية كولاية الفقيه لضبط العلاقة بين الدين والسلطان. لكن غزتهم العلمانية من ذات المورد، أي العواقب غير المنظورة لأسلمة الدولة. من ذلك القياس العلماني الذي دفع بنواب البرلمان إلى إجازة قرض ربوي وراء الآخر وآخرها ربما قرض محطة الباقير في يونيو الماضي وسط معارضة نواب الشعبي. حتى اعتراضات نواب الشعبي كانت في حقيقتها علمانية إذ أقرت بمبدأ قبول الربا متى دعت الضرورة لكن قالت نوال الخضر، النائبة عن المؤتمر الشعبي، بانعدام مثل هذه الضرورة لأن السودان به أراض شاسعة يجب استغلالها بالاستصلاح. قالت السيدة نوال الخضر باستهجان باد: ليس علينا إلا أن نقول نحنا لسنا دولة إسلامية ونتعامل بالربا. أما رفيقها بشير آدم رحمة فطالب بضرورة البحث عن صيغ إسلامية للتمويل عن طريق المرابحة. استند نواب البرلمان في إجازة الربا للحكومة على فتوى من مجمع الفقه الإسلامي، مؤسسة حكومية أخرى، تعود إلى العام ٢٠١١ جاءت في الواقع تصديقا للممارسة ولم تنتظرها الحكومة لقبول قروض تشييد سد مروي مثلا. مجمع الفقه الذي أجاز للحكومة الربا متى قررت صلاح ذلك منع بيع الفكة بشبهة الربا فرزق المساكين بطبيعة الحال ليس ضرورة! هذا وقد أثارت تكتيكات عصام أحمد البشير وشيوخ مجمع الفقة الإسلامي ثائرة الاسلاميين من المعسكر السلفي الذين قطعوا بحرمة الربا كثيره وقليله دليلهم المعاصر فتوى المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الاسلامية بالأزهر في مايو ١٩٦٥ التي قالت بحرمة الفائدة على أنواع القروض جميعها لا فرق بين الاستهلاكي والانتاجي منها. الطريف أن هؤلاء أيضا أقروا بامكانية تعميم استثناء الضرورة المتاح للأفراد على الحكومات لكن نازعوا الحكومة السودانية في الضرورة التي أوجبت عليها القبول بالقروض الربوية، ومن ثم انخرطوا هم كذلك في قياس علماني للجم مبدأ عقدي.
انتبه بعض دعاة الدستورية الاسلامية الذين يضعهم بيات في خانة ما بعد الاسلامية إلى نواقص النموذج الذي يكون فيه الفقيه أو المشرع تابعا لجهاز الدولة لا استقلال لرأيه عن دوائرها. ينادي محمد سليم العوا مثلا بتوسيع دائرة التشريع لتشمل المختصين في المجالات المعنية وفي حالة القضايا التي تشغل كل المجتمع يقر العوا بمبدأ الاستفتاء كوسيلة ديمقراطية لاستقراء رأى الجمهور. بذات المنطق العلماني يحبذ أحمد كمال أبو المجد تخريجا للشريعة الإسلامية يلعب فيه في الفقه الإسلامي الدور الذي يلعبه القانون الطبيعي في الدستور الأميركي فيحدد أغراض سلطة الدولة وحدودها بينما يحق للحكام والمواطنين ضمن هذه الحدود تشريع القوانين التي تقابل حوجات مجتمعهم. في هذا السبيل استقبل هؤلاء المجددون أغلب المبادئ الدستورية الليبرالية من حيث حكم القانون والمشاركة السياسية والحريات والحقوق الفردية وحرية التنظيم والعمل السياسي لكن احتفظوا بعقيدة في أن للدولة الاسلامية هدف يميزها عن سواها فهي دولة رسالية ذات دور أخلاقي في بناء وتقويم الفرد والمجتمع وتحقق في المستوى الأعلى واجبا دينيا، الواجب الذي اعتبره الإمام الخميني أوجب واجبات الاسلام. من هذا الباب يحاول القرضاوي وآخرون بعث مفاهيم الحسبة والأمر بالمعروف ضمن سياق مدني اسلامي. 
ما مسارات ديالكتيك المسجد والطريق السريع هذا إذن؟ يأخذ آصف بيات على تيارات ما بعد الإسلامية عمى منهجي عن مظالم الاقتصاد وقبول مذعن بالرأسمالية في صيغتها المعاصرة - الليبرالية الجديدة - على خلاف نزعات للمساواة الاجتماعية وتصورات لاقتصاد لا شرقي ولا غربي في الإسلام الثوري، على الأقل في التجربة الإيرانية، بما في ذلك مفهومي الاستضعاف والاستخلاف. ليس من أثر يذكر لهذه النزعات الأولى في فكر التيارات الما بعد الإسلامية بل شكل الحلف بينها ورأس المال وتركيزها على مفردات هوية إسلامية تحت التهديد مثل الحجاب عامل نجاحها الأساس كما يشهد بذلك تاريخ حزب العدالة والتنمية والسلطان المستقر لرجب طيب أردوغان. في تركيا. تخلقت ايديلوجيا اردوغان الناجحة ضمن تراث ما يعرف بالإسلام التركي، توليفة زمانية من عقيدة التحديث والقومية التركية وتقاليد إسلامية باعتبار الإسلام عنصرا من عناصر الشعور القومي التركي كان رائدها الكاتب والشاعر محمد زيا غوكالب (١٨٧٦-١٩٢٤) صاحب مبادئ القومية التركية (١٩٢٣) واستقت منها الكمالية جوهرها القومي في مقابل الولاء العثماني والإسلامي. 
ما ميز حزب العدالة والتنمية أنه وقوى إسلامية تركية، كانت حليفة وأصبحت منافسة مثل جماعة فتح الله غولن، صاغ آيديولوجية جديدة للانخراط في اقتصاد السوق توجه بها نحو فئات اجتماعية وطبقية ومناطقية كانت تشغل هامشا اجتماعيا وثقافيا في تركيا الكمالية. في غياب قوى يسارية تستطيع النطق بمظلمة الاستضعاف هذه. اتخذ الرابط بين الاقتصاد والثقافة أو بين السوق و الدين كما بشر به العدالة والتنمية جاذبية فعالة خاصة بين المستبعدين من اقتصاد الدولة التنموية الكمالي بانحيازه الطبقي نحو كبار الرأسماليين الصناعيين في اسطنبول. جند العدالة والتنمية لصفه حلفا نشطا ضم رأسماليين من مدن الأناضول الأقل حظا، بعض الشركات الكبرى في اسطنبول، المهنيين ذوي التعليم العالي والنزعة الإسلامية من أصول اجتماعية متواضعة وفقراء المدن اشتركوا جميعا في ارادة كسب موقع رابح في أو بإزاء جهاز الدولة قيد إعادة التوليف على أسس لبيرالية جديدة لكن بطريقة تحقق لهم رعاية هوية إسلامية ومناطقية كانت مكبوتة. بذلك تمكن العدالة والتنمية من تشكيل حلف عابر للطبقات إذا جاز التعبير شعاره المناجاة بأخلاق إسلامية ويماثل في توجهاته الاقتصادية دعوى الطريق الثالث لتوني بلير وبيل كلنتون وغيرهارد شرودر في التزامهم المتناقض بخصخصة المؤسسات والخدمات العامة وتحرير التجارة والاعتماد على الاستثمارات الخاصة من جهة وبفتح الأبواب للصعود الطبقي ومواجهة عدم المساواة الاجتماعية عن طريق تمكين المواطن الفرد المستعد لانتهاز الفرص التي يتيحها اقتصاد السوق من جهة أخرى. بهذا التوجه طرح أردوغان على الحلف االذي احتضن سلطته عقدا اجتماعيا جديدا مبشرا بحداثة إسلامية الطابع قومية العقيدة. 
تصيب الإسلاميون السودانيون، الشعبي منهم والوطني والاصلاحي، نشوة شديدة كلما ذكر النموذج التركي ولا ينقطع تسبيحهم بالنجاحات الماليزية، ليس بالضرورة في كسب الدين ولكن في كسب الدنيا، وربما بصورة أدق في المزاوجة بين اقتصاد السوق الرأسمالي في صيغته الليبرالية الجديدة وبين ثقافة استهلاكية متسقة بدرجة من الدرجات مع عناصر مختارة من الأخلاقيات الإسلامية تسود أشد ما تسود بين الفئات العليا من البرجوازية الصغيرة. من ذلك على سبيل المثال السوق وفير الكسب للزى الإسلامي الذي تراكمت خيراته على المستثمر الإسلامي بمعادلة بين أساليب الإنتاج والتسويق الحديثة والدعوة إلي ذاتية جديدة للمرأة المسلمة تناسب متطلبات الحياة المعاصرة. ينسحب ذلك بالطبع على متطلبات المسلمة العصرية الأخرى من أدوات تجميل وعطور وما إلى ذلك، فالسوق كما يصنع المنتج ويسوقه يصنع الشغف بالمنتج عن طريق إعادة صياغة ذاتية المستهلك. تقود هذه الملاحظات إلى السؤال عن علاقة التفاعل بين الرأسمالية والإسلام في التجربة المعاشة وعن المحتوى الفعلي لمفاهيم الاقتصاد والسوق والاستثمار وثقافة العمل والاستهلاك كما تتجلى في نشاط رجال الأعمال الإسلاميين. لا غرابة إذن أن لم يعد مصير شيخ مسن مثل مهدي عاكف قضى في غيهب سجون الأمن المصري يحرك ساكنا في أفئدة الإسلاميين، الوطني قضى بترك الصلاة والشعبي تركها وتولى، غفر الله لمهدي عاكف وكفاه. أورد أمين باكي أداس في مقاله الشيق عن الروح الإسلامية للرأسمالية في تركيا اقتباسا عن تاجر في أنقره قال: من يزعمون أن الإسلام لا يدعم التنمية الاقتصادية والنشاط الاستثماري لا يفهمون شيئا عن الإسلام البتة. لو كان النبي (ص) حي بيننا اليوم لكتب على بطاقة تعريفه مورد ومصدر‘"! حاشاه، لكن ما النبوة في مكيال رأس المال؟ 

استفدت في كتابة هذه الكلمة مما يلي:

- Mona al Ghobashy (2005) “The Metamorphosis of the Egyptian Muslim Brothers”, International Journal of Middle Eastern     Studies.  
- Asef Bayat (1996) “The Coming of a Post-Islamist Society”, Critique. 
- Asef Bayat (2013) “Revolution in Bad Times”, New Left Review. 
- Asef Bayat (2017) “Revolution without Revolutionaries: Making Sense of the Arab Spring, Stanford University Press. 
- Bruce K. Rutherford (2006) “What do Egypt’s Islamists Want? Moderate Islam and the Rise of Islamic Constitutionalism”, The Middle East Journal 
- Yildiz Atasoy (2009) “Islam’s Marriage with Neoliberalism: State Transformation in Turkey”, Palgrave Macmillan 
- Emin Baki Adas (2006) “The Making of Entrepreneurial Islam and the Islamic Spirit of Capitalism”, Journal for Cultural Research. 


Wednesday, 23 August 2017

Fatima Ahmed Ibrahim (1933-2017): emancipation as a craft

Fatima Ahmed Ibrahim, a Sudanese veteran communist politician and feminist, passed away in London on 12 August. She is survived by her son Ahmed with the late al-Shafie Ahmed al-Sheikh, a communist trade union leader who met his death at the gallows at the orders of President Nimayri in the aftermath of the failed 19 July 1971 communist coup attempt. For Fatima the political was essentially corporeal. She experienced the treacheries of Sudanese politics as a family dilemma of the first order. 
Fatima’s brother, Salah Ahmed Ibrahim, another communist intellectual and gifted poet of standing, was an early victim of the party’s scornful scrutiny of its intellectuals. Another brother, Murtada Ahmed Ibrahim, was irrigation minister in Nimayri’s first cabinet (1969-1971) and was dismissed in the showdown that followed the 1971 coup. Both did not live to bid Fatima a final farewell. Salah died in May 1993 in Paris and the older Murtada in May 1996 in Sweden. A third brother, al-Rasheed Ahmed Ibrahim, passed way a young man in the United Arab Emirates. Fatima's two sisters, Nafisa and al-Toma, died in 1997 in London. The family of the late Ahmed Ibrahim, a Gordon College (later Khartoum University) graduate and school teacher, and Aisha Mohamed Ahmed Fadl, one of a few women in her generation to receive an intermediate school education, have all but one, Fatima 's brother al-Hadi, crossed death’s way. 
Among her siblings Fatima was the most politically dedicated and organisationally gifted. She is often celebrated as the first woman parliamentarian in her country Sudan, a seat she earned as candidate of the Communist Party in the 1965 elections. True, she was, but the statement somehow reduces a lifetime of innovation in struggle to her brief contribution to parliamentary politics. Fatima, it must be acknowledged, invented the new Sudanese woman of the modern age, a project she launched in her own flesh as it were. She embodied her project as much as she campaigned for it. Her fidelity to the praxis of emancipation rather than its slogans is exemplary. 
As early as 1964-1965 Fatima found herself as member of the Communist Party’s politburo and president of the Sudanese Women’s Union (SWU) in argument with the late secretary general of the Communist Party, Abd al-Khaliq Mahjoub, over the orientation, organisation and priorities of the Union. Mahjoub wanted the SWU to ‘mainstream’, he wanted the SWU to talk ‘gender’ and tackle as its first priority the relationship between men and women in society. Fatima thought the main issue to be the engagement of women in political life; the concerns of the private sphere in her reasoning were to be mediated through women’s invasion of public life (for details see Abdullahi Ali Ibrahim’s ‘The House that Matriarchy Built: The Sudanese Women's Union’). The issue was never satisfactorily settled and the party and the SWU were soon engulfed in the political tragedies that made all such contemplation an impossibility. 
From that 1965 debate the dust is still in the air. Fatima continued to resist the attraction of ‘identity’ politics to her last days, disappointing many of the young feminists who admired her person but could not tolerate her example. She simply refused to understand how issues such as sexual choice or personal liberties including dress and other lifestyle concerns of the urban and expatriate Sudanese women who came to dominate the feminist scene could have precedence over or even link up with the agonies of devastation and hunger that were and are still today the lot of the women of war-battered rural Sudan, in Fatima’s own words: “What priority can sexual choice have to a woman whose child is dying of hunger in her own arms?” Her detractors are yet to invent that connection and mould it in a productive fashion. Inadvertently, they vindicate her position by their failure to further their own agenda. 
Under Fatima’s influence, the SWU (est. 1952) developed into a grassroots organisation with branches in many of Sudan’s towns and villages. In its structure, it largely copied the organisational grid of the Communist Party with the distinction that it penetrated into the realm of social reproduction with its creative engagement of housewives. Fatima tuned the social agenda of the SWU to the women who are today at best the ‘respondents’ of NGO-feminism. She opened the cow’s mouth, to paraphrase a Sudanese proverb, in her pursuit of the interests of the women left behind not only by men but by the forces of modernisation. In that quest, she was ready to make the most improbable of alliances with Sudan’s sharia establishment. When scrutinised this most productive exchange between the SWU and the sharia judges of Sudan reveals a ‘praxis’ of an indigenous feminism that is essentially her authorship. 
Judging by outcome, the SWU’s campaigns achieved legislations granting young women the right to be consulted before marriage; abolition of the obedience laws; a woman’s right to divorce in case of abuse as well when she had no interest in living with a husband as long as he was paid back the dowry; mothers were granted custody of their sons up to the age of seventeen and their daughters until marriage; in the case of divorce children were granted the right of maintenance by their fathers provided it did not exceed half the father’s income. These breakthroughs which have largely survived turbulence of government since would not have been possible without Fatima’s culturally embedded brand of feminism. It is virtually impossible to imagine such reforms in the absence of the cultural premises that Fatima relied on to negotiate support among women and an agenda against the male sharia establishment. 
Fatima in her sharp and clear prose explained these premises as such: “Emancipation does not mean getting rid of our national good traditions and values, or for us Sudanese women to become another copy of the Western woman. It is emancipation from illiteracy, backwardness, disease, unemployment, poverty and discrimination in the home and in society; Equality does not mean for Sudanese women to become another copy of the man. It means for women to be completely equal to men in rights and in decision-making at all levels; Men, as males are not responsible for discrimination against women. Most of them are also exploited and discriminated against. For this, women and men should work together to make social changes that preserve democracy, which is based on social justice and human rights.” 
For Fatima, it seems the question of ‘who are we fighting for’ overdetermined the question of ‘what are we fighting for’. She drew her answers to these questions from the lived experience of Sudanese women rather than a blind reliance on the discourses of Western feminism. She made a point of showcasing the shortcomings of Western feminism and its inability to live up to its universalist claims. In Fatima’s understanding, women in Western countries, despite their personal freedoms, continue to suffer from physical and structural violence at home and within society. Sexual freedoms as experienced in the West, she argued, did not necessarily translate into equality in power relations between the sexes nor protect women from commodification, sexual violence and exploitation. The focus on violence and rape, she argued further, addresses results and symptoms of social disorders rather than their causes. 
Fatima pointed out the atomised nature of Western societies and criticised the prevalent culture of individualism in the West. In upholding and nurturing this principle, she argued, women’s organisations in the West are “upper” organisations and have no links to women at grassroots levels. In a similar sense gender studies departments in universities, despite their profuse research on the subject, have no direct contact with the mass of ordinary women who also have no access to these researchers. Importantly, Fatima highlighted the fact that the vast majority of women in Western countries are not involved in politics at all. The predominantly “male ruling class”, she wrote, “is keen to keep women out of the ruling class because this helps to limit the competition for getting into power.” 
One remarkable feature of Fatima’s criticism of Western feminism is her obvious rejection of its claims to universality. Fatima’s independence in this regard could be read in light of her record of anti-colonial struggle. Her clearly voiced rejection of these claims is integral to her own concrete praxis. For her the theatre of struggle is not the domain of culture as such which she dismisses as an obfuscation; it is the political arena where discriminatory policies, constitutions and laws against women are introduced and then executed. Her criticism extends in Leninist fashion to liberal democracy which she describes as “artificial” since it does not eradicate class, race and gender discrimination. 
In Fatima’s mind, the struggle the for emancipation of women is intrinsically linked to the struggle for a just society that transcends the ‘capitalist’ deadlock. “Western women are still discriminated against because capitalist societies still practice class and racial discrimination”. “Women will never be equal with men in a society where a man is not equal to a man”, she concludes, “because women’s issues and problems are connected with men’s and society’s problems”. This ‘Red’ Fatima is long out of fashion in the Khartoum circles of feminist activism. However, elements of her critique of Western feminism can be identified in the works of post-colonial feminist theorists. I am not sure whether Fatima read Chandra Talpade Mohanty’s ‘Under Western Eyes: Feminist Scholarship and Colonial Discourses’ but she would have probably approved it.
Now, who are today the heirs of Fatima’s legacy? This a thorny topic. Since the inconclusive debate between Abd al-Khaliq and Fatima in the mid 1960s the SWU deteriorated with every political tragedy that has befallen the Sudanese left as did the Communist Party to become a wasted force. Three competing trends emerged to replace Fatima’s house as it were. The first is arguably the Islamist women’s movement pioneered by women in Fatima’s generation like Suad al-Fatih al-Badawi and decisively promoted by the late Hassan al-Turabi. The second and third are liberal trends of feminism divided between a reformist school around the Ahfad University for Women’s Gender Studies Institute under the directorship of Balghis Badri and a number of declaredly activist and occasionally confrontational initiatives such as ‘No for Women’s Oppression’ or civil society organisations dedicated to the promotion of a trademark ‘feminism’ with a focus on sexuality and domestic violence such as the Salmmah Women’s Resource Centre. 
Quite like Fatima’s emancipatory project but unlike the liberal alternatives on offer, Turabi’s brand of Islamic feminism was linked to a ‘political’ attempt at reworking power relations in Sudanese society at large. As an oppositionist in the 1970s during an era when political Islam offered many a revolutionary idiom to upset given social structures, Turabi made a point to reach out to women offering the young and the ambitious routes out of patriarchal enclosure while retaining the cultural context of Islamic faith. If Fatima was able to think the Muslim woman in secular emancipatory terms, Turabi offered the same woman liberation within a reinforced religious badge and indeed succeeded in drawing scores of young women to the ‘path’ as the words of a once favoured nasheed enticingly proclaimed: “Come to our path you thirsty.. Come to our path you perplexed”. At a certain juncture in the 1980s and into the 1990s the distinction between the Islamist women movement and its leftist and liberal opponents appeared to correspond to the obfuscated class barrier that Fatima was keen to demonstrate. Paradoxically or not so paradoxically, the disadvantaged tob-clad young women turned hijabis from rural Sudan flocked to Turabi’s movement and their class superiors were happier in the hijab-free liberal currents. 
Turabi’s dismissal of the tob as an unnecessary nuisance and its replacement by the hijab as a sort of uniform for the new ‘Muslim’ woman was a master stroke in political symbolism at its time. Political Islam among women had a trademark. Fatima, obviously unprepared for the age of the spectacle, retained the tob and nursed puritan sexual morals to her dying day while the Islamic movement was toying with ideas of ‘casual marriage’ in an attempt to respond to the increasing social dissociation in Sudan’s urban scene. In late age, Turabi, back in opposition in the 2000s, went as far as to proclaim the right of women to marry without a guardian from an Islamic point of view, once again attempting to catch up with the fragmenting pressures of the city. From Fatima’s point of view, these were chaotic and obviously opportunistic overtures that did no account for the needs of the mother with the hungry dying child in her arms. 
Liberal feminists on the other hand dropped Fatima’ kaleidoscopic reading of the oppression of women favouring instead the donors’-watered grazing grounds of Female Genital Mutilation (FGM), sexuality, domestic violence.. etc. The critique she hurled at Western feminism she reiterated to Sudan’s feminist activists of the post-Cold War era, stressing repeatedly the lessons she had drawn from years of praxis. Her detractors rightly or wrongly accused her of ‘conservatism’, ‘dogmatism’ and ‘reaction’ and blamed her for their shrinking support base. However, in their frustration they wasted her lessons in grassroots engagement and her textured but sharp reading of the constellation of forces that affect the status of women in society. Patriarchy and Islam replaced class, economy and even race as determinants of oppression. 
Accordingly, when indeed initiatives such as ‘No for Women's Oppression’ reach out beyond their class constraints the encounter is often a caricature. Where Fatima would have organised the contemporary activist poses for the camera theatrically enacting the role of the oppressed. Such was the situation when activists wanted to demonstrate solidarity with Khartoums’ famed tea ladies. Since tea ladies are readily accessible they have come to occupy a place of priority in the agenda of feminist activism, possibly as place-holders for the ordinary working woman from a disadvantaged background. It is probably telling that domestic workers do not enjoy the status of tea ladies in this cartography of oppression, may be because they sustain the households of the emancipators themselves. Prominent women activists took up positions behind stoves and tea pots with beaming smiles facing the zaps of smartphones. The role play, alas, worked only in one direction. A truly subversive version would have involved the tea ladies occupying the neat houses and driving the air-conditioned cars of their activist friends. 
Fatima’s greatest achievement, I claim, is that she invented relations of common struggle and solidarity between women and also between women and men in Sudan. Hers was a dream for collective emancipation, a communist dream. The route she initiated is arguably irrecoverable today. The women and men who share this dream would have to invent these relations anew and strike new routes to a future unknown. In the words of the late Tijani al-Tayeb speaking on the occasion of the 50th anniversary of the Communist Party: “The first [communist] pioneers stormed the unknown, unknown to them and to the Sudanese society, and established a party of a new type without prior experience”. Fatima’s life and praxis offer a trove of such experience but who needs her lessons?

In writing this piece I relied on Fatima Ahmed Ibrahim's Our Harvest in Twenty Years (1972), Our Path to Emancipation (1962), Sudanese Women's Union: Strategies for Emancipation and the Counter Movement published in Ufahamu 24 (1996), Arrow at Rest in Women in Exile edited by Mahanaz Afkhami (1994) as well as Rogaia Mustafa Abusharaf’s Narrating Feminism: The Woman Question in the Thinking of an African Radical published in Differences 15 (2004), Abdullahi Ali Ibrahim’s The House That Matriarchy Built: The Sudanese Women’s Union published in the South Atlantic Quarterly 109 (2010) and Chandra Talpade Mohanty’s Under Western Eyes: Feminist Scholarship and Colonial Discourses published in Boundary 12 (1984)


Wednesday, 2 August 2017

ما العنصرية؟ السفر كداري

حبس رجال الأمن في ١٩ يوليو الماضي المئات من طلاب جامعة بخت الرضا من أبناء وبنات دارفور عند قرية الشيخ الياقوت خارج العاصمة صدا لاحتجاجهم البليغ على إجراءات عقابية اتخذتها الجامعة ضدهم. كان الطلاب وعددهم نحو الألف استقالوا من الجامعة تعبيرا عن رفضهم لما اعتبروه استهدافاً عنصريا بعد ان القت السلطات القبض على عدد من زملائهم بتهمة قتل شرطيين وفصلت إدارة الجامعة عدد اخر بحجة المشاركة في احداث عنف وقعت في الجامعة  في مايو الماضي. قال بيان طلاب دارفور ان الأحداث التي وقعت في الجامعة اشترك فيها طلاب من كل أنحاء السودان، لكن إدارة الجامعة اختارت طلاب من دارفور بالذات لتفصلهم. أرادت سلطات الامن منع الطلاب المحتجين من مغادرة الدويم فأمرت أصحاب المركبات بعدم نقلهم، لكن الطلاب قاوموا هذا التمييز العنصري وعلى اقدامهم حملوا امتعتهم وتوكلوا على العزيز القدير نحو الخرطوم حتى بلغوا الشيخ الياقوت. حبسهم الامن، لكن استقبلهم نفر من اهل البلد بالعام المبذول.
طالب الطلاب المستقيلين إدارة الجامعة والسلطات بإعادة الطلاب المفصولين أو السماح لهم بدخول الخرطوم أو العودة الي دارفور. بناء على هذه المطالب دخل الطلاب في مفاوضات مع والي النيل الأبيض موسى كاشا انتهت الى عرض قدمته إدارة الجامعة لإعادة المفصولين بعد تقديم استرحام. رفض الطلاب العرض المقدم لهم وفضلوا العودة إلى دارفور. وافقت حكومة النيل الأبيض على سفرهم الي دارفور مع الالتزام بسداد قيمة الترحيل إلى الفاشر. في الفاشر منعتهم سلطات الولاية من دخول المدينة وأحكمت الحصار الأمني على جامعة الفاشر منعا للطلاب من استقبال زملائهم كما نقلت "سودان تربيون" عن طلاب من دارفور.
أيا كانت التفاصيل الجنائية، الثابت ان جامعة بخت الرضا تورطت في تهمة لا تجوز لمؤسسة شغلها التعليم العالي وخرج منها طلابها حرفياً بأقدامهم غير نادمين. أما جهاز الامن فما خيب سوء الظن فيه. ليس لطلاب دارفور سواء أجسادهم حية وميتة ليلقوا بها في وجه العين العنصرية بتحرير حكومي التي تشخص كل حركة لهم وخلجة، وتريد ان تخترق عقولهم وتفتش نواياهم بحثاً عن التمرد او شبهته. تتكرر المواجهة عليهم مع عنصرية الإدارة الحكومية مركزية ومحلية، بتهمة لا فكاك منها، فتهمتهم ليست فيما يفعلون أو لا يفعلون بل في وجودهم الملموس ودارفور التي خرجوا منها طلاب لا تبرحهم وكيف لها إن كانت السحنة هي الدالة اليهم. حرض عليهم مصطفى البطل جهاز الدولة العنصري وطالبه بان يحسم الامر بإرادة لا تعرف التردد. لم يكن إبراهيم محمود في حاجة إلى تحريض البطل حيث سارع لينفي عن الدولة تهمة العنصرية لكن خذله والي النيل الأبيض من حيث لا يدري أو "ربما يدري". استفاض الوالي في الشكوى من الضرر الذي أحدثه الطلاب في مباني وممتلكات الجامعة لكن جعل الاتهام موجها بالأساس الي طلاب من دارفور وهي لافتة جد عريضة لمن فاته الانتباه حدها الفاصل لا يرى سوى بالعين العنصرية.
يعيش هؤلاء الطلاب مظالمهم في جسومهم وهنا بلاغة احتجاجهم، فكيف لبيان مهما حسنت صياغته أن يحمل رسالة لغتها الجسد الحي والميت، لون الجسد وسحنة الوجه وهيئة الأنف ولف الشعر. حمل الطلاب أنفسهم للرأي العام يستعرضون هذه الجسوم المتهمة المعاقبة على شاطئ النيل السعيد ويطرحون على الجميع أسئلة أولية عن الانسانية والمواطنة والعنصرية التي تفسد الاثنين، فجاءت الردود من كل الجهات. نهضت الأحزاب السياسية إليهم بالطعام والماء عند قرية الشيخ الياقوت وطالبت قوى نداء السودان بإعادة الطلاب المفصولين ووقف اشكال الاستهداف العنصري. لكن وحدها الدولة تنفي وتثبت العنصرية عن نفسها، طالب دعاة الدولة العنصرية الحكومة بأن "تحسم فوضي الطلاب المتمردين“. تبعهما إبراهيم محمود يؤكد ان قرارات إدارة الجامعة لا تراجع عنها ويعني " فصل الطلاب“. برغم كل ذلك نفت وزيرة التعليم العالي سمية ابوكشوة وجود أي تمييز بحق الطلاب على أي أساس كان، قول تناقضه الوقائع والحيثيات وفوق كل ذلك صراخ الطلاب ليل نهار من العنصرية القاسية التي سماها مجلس الوزراءاختلالاتوجدد الثقة في الوزارة لمعالجتها. نفت وزيرة التعليم العالي من جانبها شبهة العنصرية عن الجامعات الواقعة تحت مسؤوليتها وقالت أنلوائح الجامعات لا تميز بين الطلاب بحسب مناطقهم“ . العبرة لكن كما تعلم الوزيرة ليست باللوائح المكتوبة وإنما بالأعمال المنظورة. كان أحرى بالبروفسورة وهي عالمة غزيرة النشر أن تسعى للتحقيق في مزاعم العنصرية التي كررها الطلاب بدلا عن مجاراة البطل والطيب مصطفى وقيادة المؤتمر الوطني ومجلس الوزراء في السقاية السياسية
لكن إي اختلالات هذه؟ وكيف يفهمها الرأي العام (أو ذلك القسط منه) المتطلع الي وقف الحرب؟ في فقه البطل الاختلال الأساس هو التمييز الايجابي الذي وجده طلاب دارفور في الجامعات بالاعفاء من الرسوم الدراسية ما شجع برأيه ورأي الطيب مصطفي أبناء المتمردين على انتهاك القانون وترويع وترهيب المواطنين، يشير البطل لأعداءه الطلاب بالسحنة واللون والهيئة ثم يسميهم "عناصر" معروفين بتمردهم وارهابهم للمواطنين الأبرياء. ينفي الطيب مصطفي العنصرية ويثبتها في وقت واحد حين يقول إن والي النيل الأبيض نفسه من دارفور. نزع كل من الطيب مصطفي والبطل عن الأحدث في روايتهما حقائق مهمة وتغاضوا عن أخرى. صور الكاتبان الطلاب المحتجينعناصرتابعة لحركات التمرد وغيبا الطرف الثاني في النزاع الذي دار بين الطلاب في حرم الجامعة أي مناصري المؤتمر الوطنين الطرف الذي رفض نتيجة انتخابات الاتحاد ونطقت أفعاله بشعاريا فيها يا..“. بدلا من ذلك صور الإثنان طلاب دارفور على الاطلاق مجرمين ضحيتهمالمواطن البرئومن الأبرياء الضحايا هولاء من بذل الطعام للطلاب المجرمين في الشيخ الياقوت
بالنسبة للبطل العناصر المتمردة هم العدو، هم من روعوا الآمنين في الدويم وقتلوا رجلي البوليس والعريس يوم دخلته. وفق هذه الرواية فالعدو هو شرير أسطورة عنصرية وهي الأسطورة الراسخة التي شكى منها الطلاب حتى استقالوا من جامعتهم بخت الرضا. بخس البطل قضيتهم التي قال لا يعتد بها - أي العنصرية - ثم زاد لم يردوا الخرطوم سيرا على الاقدام بل على حافلات مدفوعة الأجر جاءت بها الحكومة كأن قضيتهم لا تستقيم إلا كداري؟ لم يحذر البطل من الورطة العنصرية فكرر الاتهام لطلاب دارفور جماعة، محملا إياهم جميعاً الأرواح التي أُزهقت في جامعة بخت الرضا بل وفي أحياء الدويم الآمنة. يصعب على المرء تحت هذه العين العنصرية تصور كيف لطالب يافع من دارفور لا يعنيه الصراع السياسي في الحرم الجامعي أو خارجه أن ينجو من شبهة موالاة الحركات المسلحة؟ فهو في كل الأحوال متهم بقرينة العرق لا ينفعه الهرب كداري ولو بلغ فاشر السلطان
كيف نواجه هذه العنصرية إذن، ولماذا تفسد محاولات نصرة المستهدفين بها من دارفور ومن غيرها. العقدة ربما في تصويرهم على الدوامضحاياوتحول ما يجب أن يكون تضامنا إلى تعاطف هدفه التخلص من الذنب لا كشفه وفضح علاقات القوى التي تجعل المتعاطفين أنفسهم متواطئين في العنصرية بل مستفيدين منها. يمكن في هذا الخصوص المقابلة بين منهجين في تفسير العنصرية، الأول جبري إذا جاز التعبير والثاني تاريخي وضمن الإثنين المقابلة بين العرق وصناعته. بحسب المنهج الأول العرق حقيقة بيولوجية طبيعية منشأه في أزل البشرية أما بحسب الثاني فهو حقيقة تاريخية منشأه الصراع الاجتماعي أو هو صناعة اجتماعية يقبل التركيب والتفكيك اتصل عنفوانه الأخير بنشأة الدولة القومية واستقرارها كنمط سائد. أغلب اجترارنا لقضية الهوية يقع ضمن المنهج الأول الذي يرى في التصنيف العرقي إلىعربوزنوجحقيقة أزلية ومن ثم يجعل التاريخ والمستقبل مضمارا للصراع أو التعايش بين الإثنين. ينطبق هذا على المنادين بالعروبة وبالافريقانية سيان. في مقابل ذلك يفتح لنا المنهج الثاني أبوابا لادراك كيف أصبح العرب عربا وكيف أصبح الأفارقة أفارقة، أي كيف اتخذت مجموعات بشرية بعينها هذه الهوية أو تلك أو كيف فرضت عليها وفي أي سياق تاريخي وكيف نشأت التراتبية المنظورة الآن بينها واستقرت
قد يبدو جهدا كهذا مشغولية أكاديمية لا صبر للناشطين التواقين إلي الفعل عليها ولا رجاء قريب منها في قضية مثل قضية طلاب دارفور الراهنة. لكن كما أثبتت واقعة انقسام الحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) على حد تقرير مصير النوبة لم يسعفنا منهج العرق الجبرى في فض التناقض بين القوى المعارضة الحضرية والقوى المسلحة في الريف بل عزز هذا التناقض حتى بخس الحلو كل حلف معأولاد العرببجريرة التواطؤ في القهر العنصري. كذلك لم يسعفنا هذا المنهج في مواجهة الدعاوى العنصرية التي تصورعربالسودان هدفا لحزام أسود يزحف لينقض عليهم، الدعاية التي أصبحت بدرجة من الدرجات عقيدة قتالية تحت عنوان محاربة التمرد. من مادة هذا السخام خرجت شياطين دارفور التي تفسد اليوم كل تضامن مع طلاب بخت الرضا المفصولين والعياذ بالله.

مجدي الجزولي وعارف الصاوي 

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.